حكاية الفكرة · 7 دقائق قراءة

لم تعد كما كنت، ولم تصبح بعدُ من تريد

ما الذي تعلّمنا إياه طقوس العبور عن التغيير؟

هل مررتَ يومًا بفترةٍ شعرتَ فيها أنك لم تعد الشخص الذي كنته، لكنك لم تصبح بعدُ الشخص الذي تريد أن تكونه؟ ربما بعد تخرّج، أو انتقالٍ إلى بلدٍ جديد، أو نهاية علاقة، أو فقدان شخصٍ عزيز، أو ربما استيقظت ذات صباح فأدركت أن حياتك القديمة لم تعد تتّسع لك. كل شيءٍ من حولك يبدو كما هو، لكنك في داخلك تقف في مكانٍ غريب: بابٌ أُغلق خلفك، وبابٌ آخر لم يُفتح بعد.

إذا عرفتَ هذا الإحساس، فاطمئن. أنت لست تائهًا، ولست متأخرًا عن غيرك. أنت فقط تقف في المكان الذي سمّاه علماء الأنثروبولوجيا «العتبة» (Liminality). وهو مكانٌ عرفه البشر منذ آلاف السنين، وصنعوا له طقوسًا كاملة حتى لا يعبره أحدٌ وحده.

دعني أبدأ من حكايةٍ قريبة جدًا، ربما حضرتها بنفسك.

أول عبورٍ في حياتنا

في البيوت المصرية، حين يُولد طفل، لا يُستقبَل في العالم مرةً واحدة. تمرّ أيامه الأولى وكأنه ما زال في منطقةٍ بين عالمين: خرج من رحم أمه، لكنه لم يدخل بعدُ إلى عائلته دخولًا كاملًا. ثم يأتي اليوم السابع.

تمتلئ الغرفة بالأهل والجيران. يوضع الطفل في الغربال ويُهزّ برفق، وتتخطّاه أمه سبع مرات، ويدقّ أحدهم الهون بجوار أذنه ويوصيه: «اسمع كلام أمك». ثم يطوف الأطفال في البيت بالشموع وهم يغنّون، وكثيرًا ما يُعلَن اسمه في هذا اليوم على الجميع.

قد يبدو «السبوع» مجرد احتفالٍ مبهج، لكن عالِم الأنثروبولوجيا يرى فيه شيئًا أعمق: طقسًا يعلن أن هذا الكائن الصغير عبر من مرحلةٍ إلى أخرى، وأن الجماعة كلها شاهدةٌ على عبوره ومرحّبةٌ به.

ولم يكن السبوع وحده. فليلة الحنّة قبل الزفاف، والأربعين بعد الفقد، وغيرها من المحطات التي عاشها أجدادنا، كانت كلها تقول الشيء نفسه بطرقٍ مختلفة: هناك شيءٌ انتهى، وشيءٌ جديد يبدأ، ونحن معك.

العبور حول العالم

وإذا خرجنا من مصر، وجدنا الحكاية نفسها بوجوهٍ أخرى.

عند شعب الماساي (Maasai) في كينيا وتنزانيا، يقضي الشباب سنواتٍ في مرحلة «المحاربين» (Moran)، يطيلون فيها شعورهم ويصبغونها بطينٍ أحمر طبيعي. وحين يحين وقت انتقالهم إلى مرحلة الرشد، يُقام طقس «إيونوتو» (Eunoto)، وفيه تحلق الأمهات شعور أبنائهن الطويلة بأيديهن. هي لحظةٌ واحدة، لكنها تقول كل شيء: الشعر الذي كان علامةً على مرحلةٍ كاملة يسقط، ليبدأ الشاب مرحلته الجديدة. وكثيرًا ما تبكي الأمهات في تلك اللحظة، فالعبور لا يخصّ العابر وحده، بل يخصّ من يحبّونه أيضًا.

وعند شعب اللاكوتا (Lakota) من السكان الأصليين في أمريكا الشمالية، عرف الناس رحلةً تسمّى «هانبليتشيا» (Hanbleceya)، أي «البكاء طلبًا لرؤية»، وتُعرف في الكتابات الأنثروبولوجية باسم «البحث عن الرؤية» (Vision Quest). يصعد الشاب وحده إلى قمة تلٍّ بعد أن يرشده أحد الكبار، ويبقى هناك صائمًا أيامًا، يصغي إلى نفسه وإلى العالم من حوله. ثم ينزل ليحكي ما رآه لمرشده، فيساعده على فهم معناه. لم تكن الرحلة هروبًا من الجماعة، بل ابتعادًا مؤقتًا عنها ليعود إليها أكثر وضوحًا.

وحتى في المجتمعات الحديثة لم تختفِ الفكرة تمامًا. ففي اليابان يُحتفَل كل عام بـ«يوم بلوغ سن الرشد» (Seijin no Hi)، فيرتدي الشباب الذين بلغوا هذه السن ملابسهم التقليدية أو الرسمية، ويحضرون احتفالًا عامًا (Seijin Shiki) في مدنهم، تعلن فيه الجماعة أنهم صاروا راشدين.

مجتمعاتٌ متباعدة لم يعرف بعضها بعضًا، وطقوسٌ لا تتشابه في شكلها. فما الذي يجمعها؟

ثلاث خطوات لكل عبور

في عام 1909، أجاب الأنثروبولوجي الفرنسي أرنولد فان جينيب (Arnold van Gennep) عن هذا السؤال في كتابه «طقوس العبور» (Les Rites de Passage). قارن بين احتفالات الميلاد والبلوغ والزواج والموت في ثقافاتٍ كثيرة حول العالم، فلاحظ أن خلف اختلافها الظاهر نمطًا واحدًا يتكرر. وسمّى هذه الممارسات «طقوس العبور» (Rites of Passage)، أي الاحتفالات التي تصاحب انتقال الإنسان من مرحلةٍ في حياته إلى أخرى. ووجد أن لكل عبورٍ ثلاث خطوات:

ولو عدنا إلى أمثلتنا لوجدنا الخطوات الثلاث في كل مثال. ففي السبوع تكون الولادة «انفصالًا»، والأيام السبعة الأولى «عتبة»، ويوم السبوع «عودةً» واستقبالًا. وعند اللاكوتا يكون الصعود إلى التل «انفصالًا»، والأيام وحده هناك «عتبة»، والنزول ليحكي رؤيته «عودة».

المرحلة الوسطى: حيث يحدث التحوّل

بعد نصف قرن، عاش الأنثروبولوجي البريطاني فيكتور تيرنر (Victor Turner) سنواتٍ بين شعب الندمبو (Ndembu) في زامبيا. هناك درس طقس «موكاندا» (Mukanda)، وفيه يُعزل الفتيان شهورًا في كوخٍ بعيد عن القرية، ويُعامَلون كأنهم غادروا حياتهم القديمة، قبل أن يعودوا إلى أهلهم وقد صاروا رجالًا.

توقّف تيرنر طويلًا عند الخطوة الوسطى، وكتب عنها مقالته الشهيرة عام 1964 بعنوان «بين بين» (Betwixt and Between). اختار لها اسم «العتبة» (Liminality)، من الكلمة اللاتينية «ليمن» (Limen) التي تعني عتبة الباب، وتُترجم أحيانًا إلى العربية بـ«الحدّية». ووصف من يقف فيها بأنه لا هو هنا ولا هناك.

في هذه المرحلة تسقط الأسماء والألقاب القديمة، ويعيش الإنسان وقتًا مربكًا لا يعرف فيه تمامًا من هو. لكن تيرنر لم يرَ فيها وقتًا ضائعًا، بل رأى فيها المساحة التي يُعاد فيها تشكيل الإنسان. فالعتبة مربكة لأنها المكان الذي يحدث فيه التحوّل الحقيقي.

ولاحظ تيرنر شيئًا آخر: أن العابرين لم يكونوا وحدهم أبدًا. فبين من يمرّون بالعتبة معًا تنشأ رابطةٌ عميقة سمّاها «الكوميونيتاس» (Communitas)، وهي إحساسٌ بالمساواة والقرب، لأن الجميع خلعوا ألقابهم القديمة ووقفوا في المكان نفسه. وحولهم كان هناك كبارٌ يرشدونهم، وجماعةٌ تنتظر عودتهم، ووقتٌ واضح للبداية والنهاية، واحتفالٌ في الختام يعلن أن العبور قد اكتمل.

حين اختفت الطقوس ولم تختفِ العتبات

نحن اليوم ما زلنا نعبر. نتخرّج، ونبدأ عملًا ونتركه، ونتزوّج وننفصل، ونهاجر، ونصبح آباءً وأمهات، ونفقد من نحب، ونمرض ونتعافى، ونبلغ الثلاثين أو الأربعين فنسأل أنفسنا أسئلةً لم نكن نسألها.

لكننا كثيرًا ما نعبر في صمت. نترك عملًا في آخر يوم، ونُطالَب بأن نكون بخير في اليوم التالي. نفقد شخصًا عزيزًا، وبعد أيامٍ قليلة يتوقّع الجميع أن نعود إلى حياتنا كأن شيئًا لم يكن. لا أحد يخبرنا أننا نقف على عتبة، ولا أحد يمشي معنا، ولا موعد لنهاية الرحلة، ولا احتفال يعلن أننا وصلنا.

وقد انتبه تيرنر نفسه إلى هذا. فالمجتمعات الحديثة، كما رأى، لم تعد تملك طقوسًا جماعية ملزِمة كما كانت، بل صارت تقدّم تجارب فردية واختيارية تشبه العتبة ولا تكتمل مثلها، وسمّاها «شبه العتبة» (Liminoid).

ولهذا يبقى كثيرون منا عالقين في العتبة سنوات: لم يعودوا إلى نسختهم القديمة، ولم يصلوا إلى الجديدة.

ومن الأمانة أن نقول إن هذا لا يعني أن القدماء كانوا أسعد منا، ولا أن علينا أن نعود إلى طقوسهم كما هي. فالبعض يرى أن تلك الطقوس كانت قاسيةً للغاية مقارنةً بالظروف التي نعيشها اليوم؛ فقد كانت تختبر الجسد، وتفرض على الإنسان العزلة والخلوة الطويلة مع نفسه. لكنني أرى أن القسوة لم تختفِ، بل غيّرت مكانها. فالتحوّل في زماننا لم يعد اختبارًا للجسد، لكنه ما زال قاسيًا على العقل والنفس والروح، إذا كان تحوّلًا حقيقيًا، وإذا أراد الإنسان فعلًا أن يتغيّر من جذوره.

ومع ذلك، تبقى تلك الطقوس بأشكالها القديمة غير مناسبة لزماننا. لكن أصحابها فهموا شيئًا مهمًا ربما نسيناه نحن: أن التغيير الحقيقي لا يحدث في لحظة، بل يمرّ بمراحل، وأن كل مرحلةٍ تحتاج وقتها، وتحتاج أن نعترف بها.

واللافت أن علم النفس الحديث بدأ يلتفت إلى هذا أيضًا. فقد وجد الباحث مايكل نورتون (Michael Norton) وزملاؤه في جامعة هارفارد، في دراساتٍ نُشرت بين عامي 2014 و2016، أن الأفعال الصغيرة المقصودة التي يؤدّيها الناس بعد خسارةٍ ما، أو قبل موقفٍ يقلقهم، تخفّف من حزنهم وقلقهم، حتى لو كانت أفعالًا بسيطة اخترعوها بأنفسهم.

ماذا لو صنعنا عبورنا بأنفسنا؟

لسنا مضطرين أن ننتظر جماعةً تقيم لنا طقسًا، ولا أن نستعير طقوس غيرنا. يستطيع الإنسان المعاصر أن يصنع عبوره بنفسه، عبورًا يناسب حياته ومعناه هو. يكفي أن يعرف الخريطة، وأن يمنح كل مرحلةٍ وقتها.

ومن هذه الفكرة وُلد جورنال «عبور». فهو رحلة ٩٠ يومًا بأدوات اللايف كوتشنج (تدريب الحياة / Life Coaching) والعلوم التي يستند إليها، مثل علم النفس الإيجابي (Positive Psychology)، والبرمجة اللغوية العصبية (NLP)، وأدواتٍ مستوحاة من العلاج المعرفي السلوكي (CBT). أما فكرته فمستوحاة من مفهوم «طقوس العبور» في الأنثروبولوجيا. ولا نمارس فيه أي طقوسٍ قديمة؛ نحن نستعير الخريطة فقط.

وفي نهاية كل مرحلة صفحة عبور، نسأل فيها: ما الذي أتركه عند هذه العتبة؟ وما الذي أحمله معي إلى المرحلة التالية؟ وفي نهاية الرحلة لحظة احتفالٍ صغيرة، نختار فيها اسمًا أو وصفًا جديدًا لأنفسنا. تمامًا كما يُعلَن اسم الطفل يوم سبوعه، لكن هذه المرة أنت من يختار اسمه.

خطوة صغيرة نبدأ بها

قبل أي جورنال وأي رحلة، خذ دقيقة الآن واسأل نفسك بهدوء:

ما الذي انتهى في حياتي ولم أودّعه بعد؟

ثم اسأل:

وما الذي أريد أن أحمله معي إلى المرحلة القادمة؟

ولا تكتفِ بما يقوله عقلك. لاحظ ما يحدث في جسدك وأنت تسأل، فكثيرًا ما يعرف الجسد الإجابة قبلنا.

العتبة ليست مكانًا للضياع، بل المكان الذي تولد فيه نسختك الجديدة. وإذا شعرت أنك تقف عليها الآن، فلا تحتاج أن تعرف الطريق كله. يكفي أن تعرف أنك لست أول من يقف هنا، وأن لكل عتبةٍ بابًا على الجهة الأخرى.

«عبور»: رحلة ٩٠ يومًا من نسختك القديمة لنسختك الجديدة.

المصادر

السبوع في مصر

  • Lane, Edward William. 1836. An Account of the Manners and Customs of the Modern Egyptians. London: Charles Knight.

طقوس العبور ومراحلها الثلاث

  • Van Gennep, Arnold. 1909. Les Rites de passage. Paris: Émile Nourry.
  • Van Gennep, Arnold. 1960. The Rites of Passage. Translated by Monika B. Vizedom and Gabrielle L. Caffee. Chicago: University of Chicago Press.

تيرنر: العتبة، والندمبو، والكوميونيتاس، وشبه العتبة

  • Turner, Victor. 1964. "Betwixt and Between: The Liminal Period in Rites de Passage." In Symposium on New Approaches to the Study of Religion: Proceedings of the 1964 Annual Spring Meeting of the American Ethnological Society, edited by June Helm. Seattle: American Ethnological Society.
  • Turner, Victor. 1967. The Forest of Symbols: Aspects of Ndembu Ritual. Ithaca: Cornell University Press.
  • Turner, Victor. 1969. The Ritual Process: Structure and Anti-Structure. Chicago: Aldine.
  • Turner, Victor. 1974. "Liminal to Liminoid, in Play, Flow, and Ritual: An Essay in Comparative Symbology." Rice University Studies 60 (3): 53–92.

الماساي وطقس إيونوتو

  • Spencer, Paul. 1988. The Maasai of Matapato: A Study of Rituals of Rebellion. Bloomington: Indiana University Press.

اللاكوتا والبحث عن الرؤية

  • Brown, Joseph Epes, ed. 1953. The Sacred Pipe: Black Elk's Account of the Seven Rites of the Oglala Sioux. Norman: University of Oklahoma Press. Chapter IV, "Hanblecheyapi: Crying for a Vision," 44–67.

يوم بلوغ سن الرشد في اليابان

  • 国民の祝日に関する法律 (Act on National Holidays), Act No. 178 of 1948, Japan.

دراسات الطقوس في علم النفس

  • Norton, Michael I., and Francesca Gino. 2014. "Rituals Alleviate Grieving for Loved Ones, Lovers, and Lotteries." Journal of Experimental Psychology: General 143 (1): 266–272. https://doi.org/10.1037/a0031772
  • Brooks, Alison Wood, Juliana Schroeder, Jane L. Risen, Francesca Gino, Adam D. Galinsky, Michael I. Norton, and Maurice E. Schweitzer. 2016. "Don't Stop Believing: Rituals Improve Performance by Decreasing Anxiety." Organizational Behavior and Human Decision Processes 137: 71–85. https://doi.org/10.1016/j.obhdp.2016.07.004