جسدك يتذكر · 8 دقائق قراءة

كيف يعيش الماضي بداخلنا؟

هل رافقك يومًا إحساسٌ ثقيل لا تعرف مصدره؟ إحساسٌ لم يأتِ فجأة ثم يرحل، بل سكن معك فترةً من حياتك، يصحبك في صحوك ويسبقك إلى يومك، بينما لا شيء في حياتك يدعو إليه، ولا سبب واضح تستطيع أن تضع إصبعك عليه.

قبل أن تبدأ في تخيّل النتائج السلبية، وقبل أن تقلّب أيامك بحثًا عن حدثٍ يفسّر ما تشعر به، توقّف قليلًا. فربما لا يتعلق الأمر بحدثٍ عشته أنت أصلًا. ربما ما تشعر به هو صدى حكايةٍ قديمة بدأت قبلك بزمن، وما زال جسدك يحفظها.

فأجسادنا لا تنسى بالسهولة التي تنسى بها عقولنا، وبعض ما نحمله في داخلنا أقدم منا بكثير.

لكن كيف يمكن لحكايةٍ لم نعشها أن تسكن أجسادنا؟ دعني أحكي لك حكايةً قد تبدو بعيدة عنك زمانًا ومكانًا، لكنها ربما تكون أقرب إليك مما تتخيل.

شتاءٌ لم ينتهِ

في شتاء عام 1944، كانت الحرب العالمية الثانية على وشك أن تنتهي، لكن هولندا كانت على موعدٍ مع أقسى فصولها. أطبق الحصار على المدن، فاختفى الطعام فجأة، وصار الخبز يوزَّع بالجرامات، وتحوّلت البطاطس إلى أمنيةٍ بعيدة. أكل الناس أوراق الشجر وجذور النباتات وأبصال الزهور، أي شيء يمكن أن يُسكت الجوع ولو قليلًا.

وفي الطوابير الطويلة وقفت نساءٌ حوامل لساعات في انتظار ما يسدّ الرمق، بطونهن تكبر وأطباقهن تفرغ. وفي أرحامهن كانت أجنّةٌ تتلقى درسها الأول عن الحياة: الطعام ليس مضمونًا.

ثم جاء الربيع، وانتهت الحرب، وعادت القطارات والأسواق والخبز. لكن الأجساد لم تعد كما كانت.

تابع الباحثون الأطفال الذين وُلدوا من رحم ذلك الشتاء على مدى عقود، فوجدوا أنهم في كبرهم كانوا أكثر عرضةً للسمنة واضطرابات التمثيل الغذائي وأمراض القلب، رغم أنهم عاشوا حياتهم كلها في وفرة. وبعد نحو ستين عامًا، عثر العلماء في أجسادهم على بصماتٍ دقيقة تميّزهم عن إخوتهم الذين لم يمرّوا بالمجاعة في أثناء الحمل.

لقد انتهى الشتاء في التقويم، لكنه لم ينتهِ في الجسد.

من الجوع إلى النجاة: الحكاية نفسها بوجهٍ آخر

على بُعد سنواتٍ قليلة من ذلك الشتاء، وفي قلب الحرب ذاتها، كان ملايين البشر يمرّون بتجربةٍ أقسى: معسكرات الاعتقال في الهولوكوست. نجا بعضهم، وأسّسوا أسرًا، وأنجبوا أطفالًا في بيوتٍ آمنة بعيدة عن الأسلاك الشائكة.

لكن الباحثة الأمريكية راشيل يهودا (المتخصصة في دراسة الصدمة وتأثيرها على الجسم) لاحظت أمرًا لافتًا حين درست أبناء هؤلاء الناجين: كثيرٌ منهم يحملون أعراضًا تشبه أعراض الصدمة، واختلافًا في طريقة استجابة أجسادهم للضغط، ونمطًا مختلفًا في هرمونات التوتر، مع أنهم لم يروا معسكرًا ولم يعيشوا حربًا.

هنا تلتقي الحكايتان. في هولندا كان الخطر هو الجوع، وفي المعسكرات كان الخطر هو الموت نفسه. وفي الحالتين، تعلّم الجسد درسًا واحدًا: العالم مكانٌ غير آمن، فكن مستعدًا دائمًا. ثم سلّم هذا الدرس لمن جاء بعده.

البيانو الذي يعزف لحنًا موروثًا

كيف يمكن لتجربةٍ عاشها شخصٌ أن تترك أثرًا في شخصٍ آخر؟

يجيب علمٌ حديث يُسمّى "علم ما فوق الجينات" أو الإبيجينيتكس. وفكرته ببساطة أن الظروف التي نعيشها لا تغيّر جيناتنا نفسها، لكنها تغيّر طريقة عملها؛ فتنشّط بعضها وتُخفت بعضها الآخر.

تخيّل أن جسدك بيانو. المفاتيح كلها في مكانها، لم يُنزع منها شيء ولم يُضَف إليها شيء. لكن التجارب القاسية تحدد أيّ المفاتيح سيُضغط عليها كثيرًا، وأيّها سيظل صامتًا. البيانو هو نفسه، غير أن اللحن الخارج منه مختلفٌ تمامًا.

ومن الأمانة أن نقول إن هذا العلم ما زال شابًّا، وإن العلماء يختلفون حول مدى انتقال هذه البصمات عبر الأجيال وحجمها. لكن الأكيد أن الجسد ليس صفحةً بيضاء، وأنه يحمل من التاريخ أكثر مما نظن.

نظرة الأنثروبولوجيا: الجسد تلميذ المجتمع

غير أن الجينات ليست الطريق الوحيد الذي يعبر منه الماضي إلينا. ففي عام 1934 وقف الأنثروبولوجي الفرنسي مارسيل موس أمام جمهوره ليلقي محاضرةً بعنوان "تقنيات الجسد"، بدأها بملاحظاتٍ تبدو عابرة، لكنها غيّرت طريقة نظرنا إلى أجسادنا.

حكى موس أنه لاحظ في أثناء الحرب العالمية الأولى أن الجنود الإنجليز عجزوا عن استخدام المجارف الفرنسية، فاضطروا إلى تبديلها، وأن لكل جيشٍ مشيته الخاصة التي يميّزه بها المرء من بعيد. وتذكّر أنه تعلّم السباحة في صغره بطريقة، ثم رأى الجيل الذي تلاه يتعلمها بطريقةٍ أخرى تمامًا. أما أطرف ملاحظاته فكانت حين رقد في مستشفى بنيويورك، فاستوقفته مشية الممرضات التي بدت مألوفة له، ثم أدرك أنها مشية ممثلات السينما الأمريكية، وأن الفتيات في باريس صرن يمشين المشية ذاتها بعد أن غزت الأفلام دور العرض.

من هذه التفاصيل الصغيرة خرج موس بفكرةٍ كبيرة: ما نظنه "طبيعيًا" في أجسادنا، من المشي والجلوس والنوم والأكل، ليس طبيعيًا على الإطلاق، بل هو متعلَّمٌ من المجتمع، ويختلف من ثقافةٍ إلى أخرى. فالجسد، كما يقول، هو أول أداةٍ يمتلكها الإنسان وأكثرها طبيعية.

ولكي يصف هذه العادات المتعلَّمة اختار موس عن قصدٍ الكلمة اللاتينية "هابيتوس" بدل كلمة "العادة" المألوفة، لأنه أراد أن يؤكد أنها ليست مجرد ميولٍ فردية، بل هي نتاج التربية والمجتمع والموضة والمكانة. أما كيف نكتسبها، فبالتقليد، والطفل لا يقلّد أيّ أحد، بل يقلّد من يثق بهم ويُعجب بهم؛ وهو ما سمّاه موس "التقليد القائم على الهيبة". ولهذا دعا إلى النظر إلى الإنسان بوصفه "إنسانًا كليًّا"، لا يُفهم جسده إلا إذا اجتمعت عليه البيولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع معًا.

بورديو: حين يصبح التاريخ طبيعةً ثانية

بعد عقود، التقط عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو الخيط من موس، ومضى به إلى مدى أبعد. فمن خلال عمله الميداني في منطقة القبائل بالجزائر أواخر الخمسينيات، ثم في كتابيه "مخطط لنظرية الممارسة" و"الحس العملي"، جعل الهابيتوس حجر الأساس في نظريته.

رأى بورديو في القرية القبائلية كيف يتعلّم الرجل أن يقف منتصب القامة وأن ينظر في عين محدّثه، وكيف تتعلّم المرأة أن تنحني قليلًا وأن تخفض بصرها، لا لأن أحدًا يلقّنهما ذلك بالكلمات، بل لأن البيت والساحة والطقوس اليومية تحفر هذه الأوضاع في الجسد حفرًا. وعرّف الهابيتوس بأنه منظومةٌ من "الاستعدادات الدائمة القابلة للانتقال"، تتشكّل من ظروف حياتنا، ثم تعود فتوجّه سلوكنا من دون أن ننتبه. إنه، بتعبيره، تاريخٌ صار جسدًا، ثم نُسي أنه تاريخ فبدا كأنه طبيعة. ومع ذلك، لا يحمل الجميع الهابيتوس نفسه بالدرجة نفسها؛ فهو يختلف من شخصٍ لآخر حتى داخل المجتمع الواحد، تبعًا لنشأته وأسرته وما مرّ به من تجارب، فيمتلك بعضنا من هذه الاستعدادات الثقافية أكثر مما يمتلك غيره.

وفي كتاب "إعادة الإنتاج" عام 1970، بيّن بورديو مع زميله جان كلود باسرون أن الأبناء لا يرثون أموال آبائهم وحدها، بل يرثون أيضًا استعداداتهم وطريقة حضورهم في العالم، فتتكرر الحكاية نفسها جيلًا بعد جيل دون أن يلحظ أحد.

ثم جاء كتابه "التمييز" ليكشف كيف تظهر الطبقة الاجتماعية في أدق تفاصيل الجسد: في الذوق، وفي نوع الطعام وطريقة تناوله، وفي الرياضة التي نختارها، وحتى في هيئة الجسد نفسه. فمن نشأ في ظروف الحاجة يميل إلى طعامٍ مُشبعٍ وفير، ومن نشأ في الرخاء يملك ترف الاهتمام بالشكل والتفاصيل.

حين يتأخر الجسد عن زمنه

لكن أكثر ما يلمس حكايتنا في فكر بورديو هو ما سمّاه "تأخّر الهابيتوس". فالاستعدادات التي تكوّنت في ظروفٍ معينة لا تتغير بالسرعة نفسها التي تتغير بها الظروف. تتبدّل الحياة من حولنا، ويظل الجسد يعمل وفق قواعد عالمٍ مضى، كمسافرٍ عاد من رحلةٍ طويلة ولا تزال ساعته مضبوطة على توقيت بلدٍ آخر.

أليس هذا ما حدث بالضبط في هولندا؟ عادت الأسواق وامتلأت الأرفف، لكن الأجساد ظلت تخزّن الطعام وتترقّب الجوع. وأليس هذا ما عاشه أبناء الناجين؛ بيوتٌ آمنة وأجسادٌ لا تزال تحرس أبوابًا لم يعد خلفها أحد؟

طريقان يلتقيان في جسدك

إذا جمعنا الخيوط كلها، نجد أن الماضي يصل إلينا من طريقين: طريقٍ بيولوجي خفي تحمله بصمات الجينات، وطريقٍ اجتماعي يومي تحمله التربية وأسلوب العيش ولغة الجسد.

فالطفل الذي يكبر في بيتٍ ما زال يعيش على إيقاع الجوع، يرى أمه تخزّن الطعام وهو متوفر، ويرى أباه يتوتر إذا نقص شيءٌ من المؤونة، فيتشرّب هذا الحذر قبل أن يتعلم الكلام. والطفل الذي يكبر في بيت ناجٍ من الحرب، يلتقط من نبرة الصوت ونظرة العين وانقباض الكتفين لغةً صامتة تقول: احذر. لا أحد يجلس معه ليعلّمه الخوف، لكنه يتعلّمه، ويحمله، ويصير جزءًا منه.

ولهذا قد ترتجف من صوتٍ معين، أو تشعر بحذرٍ غريب في موقفٍ عادي، أو تتمسك بعادةٍ لا تفهم سرّها. أنت لا تبالغ، ولست ضعيفًا. أنت فقط تحمل في جسدك فصولًا من حكايةٍ بدأت قبلك.

الجسد الذي تعلّم الخوف يستطيع أن يتعلّم الأمان

وهنا يأتي الجزء الأجمل. فكما تعلّم الجسد الخوف، يستطيع أن يتعلّم الأمان. والاستعدادات التي تكوّنت عبر التجربة، يمكن أن تتغير عبر التجربة أيضًا.

لكن المفتاح أن الجسد لا يقتنع بالكلام. قد يفهم عقلك تمامًا أن الخطر انتهى، بينما يظل جسدك متأهبًا. فالجسد لا يعود إلى طبيعته حين يُقال له إن الحرب انتهت، بل حين يعيش السلام فعلًا، يومًا بعد يوم، في إيقاعه اليومي الطويل.

القرار هنا لا يصدر عن العقل وحده، بل عن الجهاز العصبي حين يشعر أخيرًا أنه يستطيع أن يهدأ ويتخلى عن نمط القلق. وهذا هو جوهر التعافي من أي تجربةٍ قاسية تركت أثرها في الجسد.

قراءة أخيرة: الماضي يسكننا، لكنه لا يحكمنا

حين نضع آراء موس وبورديو الأنثروبولوجية إلى جوار علم الإبيجينيتكس، تلتقي الأنثروبولوجيا بعلم الأحياء، وتكتمل الصورة على نحوٍ لافت. فموس علّمنا أن الجسد تلميذٌ نجيب للمجتمع، وبورديو علّمنا أن هذا التلميذ يحفظ دروسه حتى بعد أن يتغير المنهج، وعلم الأحياء الحديث يضيف أن بعض هذه الدروس قد يُكتب في طريقة عمل جيناتنا نفسها.

ونحن نرى أن أجمل ما في هذه الأفكار ليس أنها تفسّر لماذا نحمل مخاوف لم نعشها، بل أنها تفتح باب الأمل في الوقت نفسه. فما تعلّمه الجسد بالتكرار يمكن أن يتعلّم غيره بالتكرار، وما ورثناه بلا وعي يمكن أن نعيد تشكيله بوعي. وبورديو نفسه كان يرى أن الهابيتوس دائمٌ لكنه ليس أبديًا، وأن مجرد إدراكه هو الخطوة الأولى نحو التحرر منه. فالوعي لا يمحو الماضي، لكنه يمنحك فرصة ألا تتركه يقرّر عنك.

خطوة صغيرة نبدأ بها

حين تعمل على شفاء نفسك، لا تكتفِ بتغيير أفكارك، بل امنح جسدك أيضًا فرصته في الشفاء. اجعل له إيقاعًا آمنًا: نومًا منتظمًا، وطعامًا في وقته، وتنفسًا هادئًا، وحركةً يحبها، ولحظات سكونٍ لا تنتظر فيها شيئًا سيئًا. وحين تلاحظ ردّ فعلٍ لا تفهمه، لا تلُم نفسك، بل اسألها بلطف: من أين جاء هذا؟

وتذكّر أن تعافيك ليس شأنًا شخصيًا فقط. فحين يهدأ جسدك، أنت لا تنقذ نفسك وحدها، بل تغلق بابًا كان سيعبر منه الخوف إلى أبنائك وأحفادك. أنت تمنحهم بيانو يعزف لحنًا أهدأ.

وربما تكون هذه أجمل مسؤوليةٍ يمكن أن يحملها إنسان.

شاهد أيضًا

إزاي الجسم بيفضل فاكر التجارب الصادمة حتى لو العقل قرر يتخطاها
إزاي الماضي بيأثر على جسمنا في الحاضر

لو حسيت إن جسمك لسه شايل حكاية قديمة وعايز تفهمها بعمق، الجلسات الفردية مساحة آمنة لده.